حدف البحر
قصة قصيرة من كواليس
قصة حب من أيام الحملة الفرنسية
ها أنا ذا أسيرُ على رمالِ الشاطئ بأناةٍ ، يسبحُ خيالي في الأفقِ الممتدِ ، وإذا بي أشعرُ بأنفاسٍ ، وكأن أحداً ما يسيرُ لجواري ، أتلفتُ مراراً فلا أجدُ شيئاً ، يتملكُني الاضطرابُ ، أسرعُ الخطو ، فإذا بزجاجة مغلقة يحدفُها البحرُ ، لتقعَ عليها عيناي ، يبدو أنَّ بداخلِها لفافةً ، أسرعتُ ألتقطُها قبلَ أن تسحبَها مياهُ البحرِ للداخلِ ، وما إنْ أمسكت بها حتى سرت في جسدي قشعريرةٌ ، أحدثُ نفسي :
- قطعاً سيكون بداخلِها رسالةٌ ما ، ربما كانت مهمةً أو تحملُ سراً ، يغلبني الفضولُ
أحاولُ فتحَها فأجدُ صعوبةً بالغةً ، تتملكُني الرغبةُ أن أعرفَ ما تحويه اللفافةُ .
- تبدو مخطوطة ، وربما تكون تاريخيةً ، فلربما تحوي ما يستحقُ
كلما اقتربت من فتحها ، تتسارعُ ضرباتُ قلبِي ، تخترقُ أنفي أنفاسٌ ممزوجةٌ برائحةِ التبغِ ، أتلفتُ فجأةً ، فتسقطَ الزجاجةُ على الرمالِ ، ولا أجدُ أحداً في المكانِ ، فقط الصمتَ المطبقَ والظلامَ ، ألتقطُ الزجاجةَ ، لأجدها مفتوحةً ، واللفافةُ قد برزت من عنقِ الزجاجةِ وحدَها
- كيف انفتحت الزجاجة ؟!!
الظلامُ المعتمُ ، يجعلُ قراءةَ ما بها صعبَ المنالِ ، أسيرُ بحثاً عن ضوءٍ يمكّنُني من قراءةِ ما بها ، ما زالت الأنفاسُ تجاورُني ، أسرعُ ، وقد ارتعدت فرائصي ، وسرت القشعريرةُ في بدني ، أهرولُ صوبَ الضوءِ خارجَ الشاطئ ، وما إن وصلت لرصيفِ الشاطئ ، حتى هممت بفضِها ، لأجدها قد خُطَّت بقلمِ ريشةٍ وحبرٍ أسودٍ ، يبدو أن سنين غيرَ قليلةٍ قد مرَّت عليها ، مدونٌ فيها ..
- "هذه الحياةُ لن تتوقف من أجلِ أحزانِك ، إما أن تتعافى وتواجهها ؛ كي تكملها رغم همومِك وانكساراتِك أو تستسلمَ ، فتكونَ طريحاً للأبد ، إن التعودـ على الألمِ لا ينفي إحساسَنا به ، هو فقط يخرسُ الأنينَ بداخلِنا " .. جابر القباني "
- إنها مجردُ خواطرٍ لبحارٍ ، يقاسي آلاماً في حياتِه ، وربما عاشق فقد حبيبتَه وسطَ عواصفِ الحياةِ ، التي لا ترحمُ ، لكنها من المؤكدِ قد كُتِبَت من زمنٍ بعيدٍ ..
وفجأةً أشعرُ برائحةِ التبغِ ، أستديرُ لأجدَ رجلاً يرمقُني بعينين ، يغلفُهما الحزنُ ، ترتسمُ على شفتيه ابتسامةٌ باهتةٌ
- هل وجدت هذه الرسالةَ في تلك الزجاجةِ ؟!
- نعمْ . وما أدراك بذلك ؟!!
- الزجاجةُ وشكلُ الرسالةِ
- فعلاً
- وماذا فيها ؟!
- مجردُ خواطرٍ كتبها أحدُ ما في زمنٍ ما
- أليس من الواردِ أن تكونَ تلك الكلماتُ ، هي أخرُ ما كتب صاحبُها ، فكان يحملُ من الألمِ ما يعتصرُ روحَه ، أو كانت له قصةٌ تحملُ مأساةَ روحين عذبتهما تقلباتُ الدهرِ؟
- ربما
وبصوتٍ هامسٍ حزينٍ وقد اغرورقت عيناه بالدموعِ يقولُ :
- أعرفُ قصةَ شابٍ أحب فتاةً ، وأحبته ، لكن مطامعَ أهليهما على السيادةِ والسيطرةِ ، حالت دون التقاءِ روحيهما
تزرفُ من عينيه دمعةً فجأة ، يحاولُ إخفاءَها :
- غالباً ما تقفُ رغباتُ الأهلِ حائلاً أمام العواطفِ النبيلةِ ، فتمنعُ حلالاً أقره اللهُ
- نحن نحتاجُ إلى عالمٍ آخرٍ بعيداً عن صراعاتِ الذين لم يفهموا بعد معنى تعلقِ الروحِ بالروحِ
- ماذا تقصد بــ" نحن " ؟ !!
- أقصدُ المحبين .. هم دائماً حالمون يؤمنون بأن الحبَ ليس كلامًا بل شعوراً ، لا يستحقُه إلا شخصٌ واحدٌ في حياتِهم ، مهما باعدت بينهما الأقدارُ
- أفهم من كلامِك أنهما لم يحققا أحلامَهما ؟
- الأحلامُ سفنٌ تمخرُ الأمواجَ ، لكن المطامعَ البشريةَ قد سرقت البحرَ منها .
- شوقتني لقصتهما ؟
- بعد أن ترك السيدُ " محمد كُريّم " منصبَ قباني السفنِ في ثغرِ الإسكندرية بأمر" مراد بك "، وتعيينه حاكماً على الثغرِ ، دبّ الصراعُ بين عائلتيهما على من يخلف السيد " كُريّم "على منصبِ القباني ، وكان من نصيبِ عائلتِه لتزدادَ فجوةُ الخلافِ بين العائلتين ؛ مما جعل ارتباطَهما مستحيلاً ، ولم يمرْ العامُ حتى جاء بونابرتا بجيش الفرنسيس غازياً ، وساد الهرجُ والاضطرابُ في الإسكندرية ، فهاجرت العائلاتُ منها ومنهم عائلتها ، هاجرت إلى غزة في برِ الشامِ ، فألقى المحبُ بنفسه في أتونِ المقاومة مع رجالِ السيدِ "محمد كُريم "
- هي قصةٌ قديمةٌ إذن ؟!
- ولكنها تحدثُ كثيراً ، وكل يوم
- صدقت وماذا بعد ؟
- ما إن بسط الفرنسيسُ سيطرتَهم ، وألقوا القبضَ على السيد " محمد كًريم " واصطحبه بونابرتا معه للقاهرةِ ؛ لتنفيذِ حكمِ الإعدامِ فيه ، وزادت مطارداتُ الفرنسيسِ لرجالِ المقاومةِ ، حتى ضاقت به الأرضُ ؛ فركب السفنَ يطوفُ بين موانئ العالمِ يأملُ أن يذهبَ لبرِ الشامِ يوماً ؛ فيلقاها ، وذات مرةٍ وصل إلى غزة وبحث عنها ، وعرف أنها ماتت مع من ماتوا في وباءِ الطاعون الأسود ، ليعود للبحرِ يبثه أحزانَه على حُلمٍ مات ، يتنقل بين موانئ العالمِ ؛ ينفقُ عمرَه بغير حسابٍ ، فحبُها جذوةٌ متقدةٌ في قلبِه لا تنطفئ أبداً
- وهل عاد للإسكندرية ؟
- بعد سنواتٍ عديدةٍ ، وكانت روحُه ما زالت تنزفُ ؛ لم يحب سواها .
- قصةٌ حزينةٌ ؟
- كانت النوةُ شديدةٌ ، والرياحُ عاتيةُ ، والأمواجُ ثائرةٌ ، وكان على السفينةِ أن تنتظرَ خارجَ " البوغاز " فشعر باقترابِ القدرِ المحتومِ ، فكتب رسالتَه الأخيرة ؛ يودعُها قلبَ البحرِ ، تصطدمُ السفينةُ بالصخورِ ؛ لتتحطمَ الأشرعةُ وتهوى عليه ليلقى حتفَه ، ويبتلعُه البحرُ
- يا لها من مأساةٍ ! وماذا كتب في رسالتِه الأخيرةِ ؟!
- " هذه الحياةُ لن تتوقفَ من أجلِ أحزانِك ، إما أن تتعافى وتواجهها ؛ كي تكملَها رُغم همومِك وانكساراتِك ، أو تستسلمَ فتكونَ طريحاً للأبد إن التعودَ على الألمِ لا ينفي إحساسَنا به هو فقط يخرسُ الأنينَ بداخلِنا . " جابر القباني
- لحظة.. انتظر.. أليست تلك هي نفس الكلماتِ التي خُطَّت في الرسالةِ التي معي ؟!!! بل ونفس التوقيعِ " جابر القباني
ينظرُ إليّ بعينين يغلفُهما الحزنُ ترتسمُ على شفتيه ابتسامةٌ باهتةٌ ، ويختفي ، حتى الزجاجةِ والرسالةِ لا أثرَ لهما .
الأحد 29/8/2021
حدف البحر : بقلم / سمير لوبهة