............................معلّقة آل مصباح..................................
.....................في رثاء جدودي الصّالحينا..........................
أَلاَ هُبِّي يانفوس الخيّرينا.................وآت ذا القربى حقّه يقينا
فيا رياح المسك طيّبي .................ثراء من كانوا لنا مقرّبينا
على آثارهم نحن سائرون................وللحقّ، أذرعنا اليه طوينا
ألا يا هذا أعرني أذنك، و.................لتسمعني دون أن تستهينا
تعالى، إجلس إلى جانبي....................أحاكيك أساطير الأوّلينا
عسى ينفعنا تاريخهم .....................وينفعنا ما كانوا فاعلينا
فأنصت اليّ جيّدا، ولا...................تجادل فيمن أحبّ السّكينه
ليبكيّ على أطلال ليلاه.......................وينعي حبّا عاشه حزينا
فيا قلمي جد بما تراه خيرا..................وما تراه دواءا للمحبّينا
ا--------ا
هُبَيرة مسقط رأس أبي، .................وأجداد أغرّاء محجّلينا
عبادلة، من خيرة صحب......................رسول الله، غرّا ميامينا
فتحنا إفريقيّة وقد كنّا...........................غزاة حقّ إذا ما دعينا
ركبنا الصّعاب وإن علت.........................فما اشتكينا وما عيينا
بنينا مدينة القيروان .......................فكانت منارة للمهتدينا
يتوسّطها جامع كبير قد ..................بناه عقبة قِبلة للمصلّينا
مدينة العلوم كانت ولا........................تزال مهد أحرار مثقّفينا
"كَمْ كانَ فيها منْ كِرامٍ...........................على الدِّيانة مُتَعاوِنينَا" (١)
ومهدية شيّدناها على.....................ضفاف بحر، حصنا حصينا
هلاليّون من وادي نخلة........................ونسل عدنان، جدّ نبينا
فإفريقيّة كانت قبلتنا.............................وبين سهولها إستقرّينا
فجُدنا بالغالي والنّفيس........................وكنّا للحقّ من السّابقينا
فخضنا معارك عديدة، و......................الى صقليّة رحلنا راكبينا
بحارها، وأمواجها على............................ذوات ألواح وداسرينا (٢)
فحاصرها أسد بن الفرات.....................وكان نعم إمام القائدينا
فشيّدنا بها مساجدا وقصورا...............وعبّدنا الطّريق للسّالكينا
وعلّمنا أهاليها كلّ صنعة.........................زرعنا النّخيل والزّياتينا
ومنها جوهر يفتح مصر...................وقاهرة وأزهر بها مشيّدينا
ا--------ا
وخلّفنا وراءنا صبية على ..............محجّتنا البيضاء مقتدينا
رجال صدقوا وعودهم ..................مع الله، فكتبوا صادقينا
أشاوس، لا يهابون موتا.......................تراهمو للهيجاء منذرينا
دماءهم وأرواحهم لله،............... على اعداءهم أعزّة شامخينا
فلا يركعون إلا لمولاهمو.....................ولا ينحنوا لغيره الجبينا
أعزّة على الكافرين، أذلّة...................لأهل بيتهم، غير مهطعينا
إذا ما الهيجاء نادتهمو.........................تراهمو ملبّين ومسرعينا
منهمو عمر المختار يكنّى....................بشيخ الثّوار المجاهدينا
رموا على أكتافهم أكفانهم..............ونادوا: الله اكبر! مصبحينا
وسلّوا سيوفهم وبنادقهم .............مكلّلين، معطّرين، ومهلّلينا
زغاريد نسوة تصحبهم ...............إلى ساحات الوغى مكبّرينا
وعاديات ضبح، سهباء........................فلا عرق فيها ولا هجينه
أصيلة، كأصل فرسانها.......................صهيلها يرعب من يعادينا
تراها صهباء، كخمر عنب.....................تميل مع الرياح مستبينه
"مكرّ، مفرّ، مقبل، مدبر معا" (٣).......كوابل من رصاص يعتلينا
ونعقد ركابنا بحبال لكيلا.....................نولّيَ أمام العدوّ مدبرينا
فكنّا للمحتلّ الغاشم شوكة ............بحلقه، وصار بيننا سجينا
نكرّ عليه بزجرة واحدة.....................فيظلّ مستخفّا ومستكينا
صراعا قتلاهم، لا أبا لهم....................فلا يهمّنا عويل الغاصبينا
فقتلانا شهداء عند ربّهم.......................يهيمون بجنّة ورياحينا
ودانية عليهم ظلالها،............................وذلّلت قطوفها للمتّقينا
ثيابهم في الجنّة حرير.....................الى ربّهم جالسين، ناظرينا
أخذتُ من حِكَمهم ما يروي.................ظمئي، وهم لي ناصحينا
ستبقى ذكراهم لنا مددا.....................تصاحبنا دوما مهما حيينا
فلا تكن في مرية من أمرك.................وسوف تلقاهم غدا عزينا
ا--------ا
فهذا حاضرنا نعيش أيامه..................وذاك ما رويَ منه ماضينا
فقارن بين هذا وذاك، وقل................أمازال للدّم أن يجريَ فينا؟
ألا نخجل على أنفسنا من................ملاقات اجداد عنّا غاضبينا؟
رفات عظام أصبحنا بعدهم...............وغاط السّفيه في مراعينا
ليستأسد الزّرزور فينا.....................ويعبث الجعلان في مساقينا
وتأتي الخونة لتنصحنا،.....................فهل كان يوما للثعلب دينا؟
فما عاد ينفعنا بكاء ولا ...................نواح، ولا تنفعنا مساعينا
ا--------ا
جدودي افتخر بهم.........................وأبي العجميّ من الصّالحينا
لنا في الكرم والجود باع............................ولا نرد سائل ينادينا
ولا نغدر، ولا نساوم، ولا........................نبيع عهدا قطعناه علِينا
نف الوعود والعهود وإن............ يكن سيف المنون فوق رقابينا
جنود لأوطاننا وأعراضنا.................وللباطل كارهين وداحضينا
سلامي الى كلّ حرّ شريف...........يدافع عن عرضه لكي يستبينا
فلم يبقى لي من رائحتهم...............سوى أبي حفظه الله سنينا
سماحة وجه، وفخر، وعزّ..................رجاحة عقل، وقلب ودينا
على يديه كبرت أجيال.....................دكاترة، وزراء، ومهندسينا
مدينون له رؤساء ونوّاب............وأحزاب، وجمعيّات مستقلّينا
فما كان مادحا لأحد..................وما كان يخيفه جور السّلاطينا
جواد، كريم، ذو نخوة، لا .................يخاف في الحقّ لائمينا
ولي أمّ نبع الحنان تجود.............علينا بعطاء الأولين والآخرينا
وتسهر ليلها تطبّب وتغنّي....................وتفرش اللّحاف وتغطّينا
وتمشي على أطراف أصابعها............لكي لا نصحى أو تصحّينا
جزاها الله عنّا كل خير فلن .............أوفّيها حقّها مهما حكينا
وخمسة من الإخوة لي........................أسود كلّ له زئير وعرينا
ولبوتان، واحدة عند ربّها......................وأخرى ترتع بين أيادينا
مدلّلة، بين أسود لا نجرؤ......................على زعل بنت الأكرمينا
وأشبال لنا شبّوا على حبّ...............جدودهم وآبائهم المنوّرينا
فيا ربي احفظ لي من أحبّ ........أكان حاضرا أم من الغائبينا
ولا أستثني أحد، ولا أنسى.............صحابي وعشيرتي الطّيبينا
وأختم بدعائي لبلدي تونس..............ليحفظها الله من الكائدينا
وأن يستر شعبها ويحفظه................وأن نبقى في ديارنا آمنينا
أعمّم دعائي إلى سائر العرب..........بأن يوحّد صفوف المسلمينا
وصلّ اللّهم وسلّم على سيّدي.....محمّد خير الأنبياء والمرسلينا
وعلى آله وصحبه ومن سلك...طريقه بإحسان إلى يوم يبعثونا
من قلمي: كريم الدين مصباح
٣ ذو القعدة ١٤٤٢
الموافق ل ١٥ جوان ٢٠٢١
(١) صدر وعجز مختلفان من قصيدة لإبن رشيق القيرواني
(٢) دَسَر، يدْسُرُ، اُدْسُرْ، مصدر دَسْرٌ
دَسَرَتِ السَّفِينَةُ الْمَاءَ : دَفَعَتْهُ دَفْعاً شَدِيداً
دَسَرَهُ البَحْرُ : دَفَعَهُ مَوْجُ البَحْرِ وَألْقَاهُ إلَى الشَّطِّ
(٣) صدر بيت من معلقة امرؤ القيس
الأربعاء 16/6/2021
معلقة آل مصباح : بقلم / كريم الدين مصباح