أمـــــــــــة ليست بخيــر
انتهت الحرب و لم ينته زمنها .. توقفت آلة حصاد الارواح فحسب وتجمد عداد القتل عند آخر ضحية من مجمل الذين سقطوا وهم لا يعلمون لماذا يسقطون سريعا , انتهت الحرب وبدأت مرحلة التعايش مع الركام والانقاض لسنوات أوائل ايامها ستخصص لدفن المصروعين بأعنف الطرق وشتى الوسائل, المقتولين بأبشع أدوات الموت .
انتهت الحرب , لكننا لسنا بخير , سنعيش مع ذكريات سوداء تؤرقنا وتقض مضاجعنا , سنعاني الامراض الجسدية والنفسية , ستوزع ادمغتنا اوقاتها بين العصابية والمزاجية , بين التيه والغوص في بحر من احلام لن تتحقق وماض فعل فعلته الشنيعة بنا .. شاخ حتى اطفالنا .. نساؤنا يشعرن بأنهن لسن كاملات الانوثة او لسن بحاجة الى اكتمالها في زمن انكسار الرجال , فالرجال هم الاخرين ايضا أصبح آخر همهم هو ان يقال عنهم رجالا , اذ لم يوصفوا بالبشر وما تعاملت الاقدار معهم على انهم بني آدم ! لسنا بخير.
نحن أمة مكسورة , منهارة لدرجة مرعبة - وجائعة جدا , نحن أمة محرومة من كل الاشياء الجميلة , نحن أمة أرملة ثكلى ووحيدة , نحن أمة ليست بخير أبداً .
يقول بعضنا انا ما جرى وسيجري مكتوب علينا ! يقول البعض الاخر انه من صنع ايدينا , وهناك فريق يدعي تمثيل السماء يقول بأن الرب سلط علينا من لا يخافه ولا يرحمنا وهو اختبار للصبر والأيمان ..وأنا .. انا لا اتبع اي فريق منهم و أكاد أن لا احترم ما يقولون جميعا , ولا لوم عليً فأنا أحد الناجين من تلك الحرب وممن يعاني اضطرابات ما بعدها , انا احد الذين هم ليسوا بخير على الاطلاق.
انتهت الحرب , ونحن أمة ما زالت تدور في متاهة بحث الاسباب , تهدر الوقت في الحديث عن المشكلة ولا تدخر ساعة لوضع الحلول!
نحن أمة تتذمر كثيراً , وكثيرا ما نقول لماذا؟ لماذا ؟ ولم نعرف لماذا رغم قرون مرت متشابهة لم يتغير فيها الا ارقام السنوات , الثابت فيها هي اننا امة جاهزة للموت , مستعدة للقتل دائما .. الثابت فيها اننا أمة ليست بخير !
انتهت الحرب , ونحن نراقب بحذر ساعة الصفر لاندلاع الحرب التالية , فنحن أمة لا تعيش بلا حرب , ولا تأمن الا بعد خوف , ولا تشبع الا عقب مجاعة مرعبة , كرهتنا الطبيعة جدا , فنحن امة مستهلكة لكل شيء , نأكل اكثر مما نزرع , ونتلف اكثر مما نصنع , ونضيع اكثر مما نملك فنخرج من كل دوامة ندخل فيها , جوعى مفلسون ومقهورون , نخرج وفي رقابنا غرامات عالية القيمة وخسارات فادحة وديون عظيمة .
لا نحترم عذوبة ماء النهر ولا نقدر قيمة الزهر , ومن اجل رغيف خبز في تنور طين قد نحرق نخلة شامخة ! نقتلها ونقول ان الله سيعوضنا خيرُ منها طالما ان القصد من القتل هو احياء وبعث آخر!
كثيرا ما نبرر اخطاءنا بما يقول الرب , بحجة اننا خلفاءه في الارض , فأي خليفة هذا الذي يذنب ويلقي باللائمة على من خلفه؟ نحن امة عاجزة تماماً وليست بخير.
نحن أمة كسولة , في زمن الحرب ومراحل الهدنة , منبطحة على طاولات التفاوض وراضية بكل شيء مهما كان ( فكل ما يأتي من الله خيرا) .
انتهت الحرب , وعدنا الى عادتنا القبيحة البذيئة , اذ نتجمع ليلا حول فانوس الضوء الوحيد لنعيد الحديث ذاته , نفتخر بأساطير الاجداد وبطولاتهم , نتباهى بأمجادهم المزعومة ونتغافل اثناء حديثنا اننا لم نرً اي من تلك الامجاد سوى ما وجدناه في الكتب التي نقرأ أو ما لقننا به اباؤنا واجدادنا في جلسات ما بعد الحرب حول فانوس الضوء الوحيد !
نهدر الوقت والجهد بالحديث عن ماضينا ولم نتكلف بأن نصمت لدقائق للتفكير بخلاص من حاضر مقيت او ايجاد نقطة تحول نحو مستقبل قد تكون فيه نجاة للأجيال القادمة على الاقل ان لم تكن نجاة لهذا الجيل الناجي من آخر حرب وهو يستعد للحرب التالية .
انتهت الحرب , سندفن الذين سقطوا وفي جيوبهم اسئلة لم يجب عليها أحد , سنرفع الانقاض ونزيح الركام بأسرع وقت ممكن .. كي لا نفوت فرصة خوض معارك اخرى تتعدد فيها الاسئلة ويشغلنا عن الجواب دوي مدفع او صافرة انذار.. سنهرع الى الملاجئ والسراديب وزوايا البنايات تجنباً لقصف الطائرات العشوائي , سيصرخ اطفالنا مجددا وتنهار نساؤنا رعباً , وسنشهد في عيون الشيوخ والعجائز نظرات الخوف والذل وترتسم على وجوه شبابنا علامات الهوان .. سننشغل بتوفير شمعة او فتيلة فانوس نجتمع حوله ليلاً نحلم بالسلام ونتبادل عبارات الثناء على امجاد اجدادنا العظام الذين ماتوا في حروب سابقة , وسنذكرهم بخير رغم اننا أمة ليست بخير !
الأحد 29/5/2022
أمة ليست بخير : بقلم / رافع الفرطوسي
العراق / البصرة