ابرياء
هؤلاء الشرفاء جداً , الكرماء لدرجة تجاهل من ظلمهم والتغافل عن خطيئاته والمكوث على مقاعد الصبر والتحسب , الصابرون على كل نوائب الدهر وجور الظالمين , فقط لأنهم ابرياء.
قد فوضوا أمرهم الى ربهم و اتخذوه وكيلاً , هؤلاء المؤمنون جدا بأن الله مع الصابرين, المبشرين بجناتٍ تجري من تحتها الانهار ولكن في حياة أخرى , حياة لا يحظى بها سوى الابرياء.
قد أجمع النهم والجشع وهما يحكمان العالم بأن يحاصروا اولئك الصامتين , اولئك الذين لا يرغبون بأكثر من عيش كريم في رحلة مؤقتة تتخللها محطات بعناوين شتى , معظم تلك المحطات مملوكة للأصابع التي انغمست بالخطايا وتشربت بالذنوب , وستوشك ان تلج في عيونهم, فلا يحق لهم بعد ذلك ان يتنعموا بالنور , لأنهم ابرياء !
لم تكن الرصاصات القاتلة كافية ولا حتى القنابل المدوية التي ترعبهم كفيلة بإنهاء المهمة , ستدك المدافع البيوت عليهم , فمن قضى تحت الانقاض فإنما يذهب لحياته التي كان ينشدها , ومن نجا فلقد هيأت له الأمم المتحدة بيتاً جديدا سيكون ضمن حي سكني مخصص لأمثاله يسمى مخيم النازحين , مخيم مخصص للأبرياء.
سيعانون من برد قارس في الشتاء وجحيم الصيف , سيأكلون ما يود ان يقدمه لهم الاخرون وليس ما يشتهون , سينامون في الخيام لسنوات خلالها تزورهم الوفود والمنظمات الانسانية لتلتقط معهم الصور , سيعتاش على مراراتهم اصحاب الأصابع الآثمة , وتتصدر صورهم واجهات الصحف والتقارير أملا بالوصول الى حل لينهي الوضع, فبراءتهم مشكلة تحتاج الى حل نهائي !
أولئك من كانوا قد سكنوا الحضارة وعادت بهم الأقدار الى بداوة في قلب المدن ! عادوا كما اجدادهم الى المخيمات ولكن بطريقة حضارية جداً , يستخدمون الوسائل المتطورة لمجابهة الحياة الاكثر تطورا والظروف الاكثر تطرفا, ستكبر المخيمات في الكون وتنتشر مدنها لتعم ارجاء المعمورة طالما ان الاصابع آخذة بالطول والحدة , وطالما الهجرة داخل الاوطان متاحة , سيرتفع عددهم ويعلو صوتهم , فهم الشرفاء في عالم يغوص بالعار.. وهم وحدهم كانوا وسيظلون ابرياء جدا .
الخميس 26/5/2022
أبرياء : بقلم / رافع الفرطوسي
العراق / البصرة