مشى بتثاقلٍ نحو غرفته التي كانت تحتلّ الزاوية المطلّة على حديقةٍ مجاورة ...لم تكن لديه رغبةٌ في الجلوس مع ضجيج العائلة والأحاديث المملّة التي يتجاذبونها
طوال الليل ...فتح باب غرفته شعرَ
بظلمة المكان وكأنها تلفّ روحه التي
أثقلتها الوحدة ..سرت البرودة في جسده قبل أن يفترش سريره المغطى بما يدفئ الجسد ولا يدفئ الروح ...لاذ بهاتفه وتسارعت أصابعه نحو صورةٍ لطالما أحبها كثيراً ولكنّه لا يجد إليها سبيلاً ...
ليقطع تأملاته رسالة من ابنه المغترب
تعال لزيارتي يا أبي ..كان وسيم يشبهه إلى حدٍّ كبير ..
فأجابه : أ و أنت أيضاً ؟؟؟
حسناً أيها الشقي ...يبدو أنّ الغربة تلفّنا جميعاً ..
أرخى رأسه على الوسادة و أحكم الغطاء فاشتمّ بقايا عطرٍ قد تخللت
خصلات شعره التي أزهر فيها نوّار الربيع الأبيض بعدما ملأت يدها بالعطر و مررتها على رأسه لتقول له
يبدو أنّ شعرك بحاجة إلى تصفيف
فقد أثّرت به نسمات الخريف .
أدرك عندها بأنها كانت تحاول ترك أريجها مرتاداً متمرداً على تلك الخصلات ..وأسبل الأجفان المطرزة بصورتها ليباغته صوتٌ خفيفٌ اخترق سمعه وشقّ هدوء المكان
وكأنه ارتطام دلوٍ في بئر مملوءةٍ بالماء .. ارهف السمع وإذا بها قطرات المطر تشدُّ غزوتها اندفاعاً نحو معشوقتها الأرض في تلك الحديقة التي خلعت ثوبها الأخضر وأهدته لنسمات أيلول لتطفر بها كما طفرت أيام الزمان بربيع عمره ليعود حيّا كطفلٍ أيقظه عبير عطرها ..
الثلاثاء 18/1/2022
عندما يعود طفلا : بقلم / غادة مصطفى