المقهور
قصة قصيرة
في صباحٍ شتوي تحجبُ فيه السحبُ الرماديةُ أيةَ بارقةِ ضوءٍ ، شوارعُ المدينةِ الساحليةِ قد خرجت لتوها من نوةٍ قد خلفت آثارَها في كلِ الشوارعِ ، أتدثرُ معطفي ، تحميني من زخاتِ المطرِ مظلتي ، أعبرُ الطريقَ مسرعاً متجنِباً جنونَ السياراتِ المتهورةِ إلى رصيفٍ قد كساه الوحلُ ، بائعُ الجرائدِ يغطيها ، ينفثُ دخانَ سيجارتِه ، وقد لفت رأسَه عمامةٌ رثةٌ ، يحوطُ جسدَه معطفٌ صوفي مهترئ ، وعلى الرصيفِ المتاخمِ للسوقِ تصطفُ العرباتُ الخشبيةُ ، قد تكدست بالخضرواتِ والفاكهةِ التي أصابها المطرُ، أنتبهُ لحالي متوخياً الحذرَ لموضعِ قدمي فلا أطيحً أرضاً في الوحلِ وماءِ الأرضِ الكدرِ، ألتفتُ فأجدُ جسداً لطفلٍ لا يتعدى العاشرةَ ، يفترشُ الأرضَ ، قد ضمَّ ركبتيه إلى صدرِه في ثيابٍ باليةٍ ، نال منها المطرُ والوحلُ ما نال ، يتزحزحُ بجسدِه الصغيرِ يلتصقُ بالحائطِ ؛ يسألُه أن يضمَه ؛ فيقيه البردَ والمطرَ ، تمتدُ الدقائقُ وأنا أرمقُه ، فينتابني حزنٌ لحالِه المترديةِ ، تحدثُني نفسي :
- اذهبْ إليه وأعطْه مالاً ، أو بالأحرى تخلف عن عملك اليوم ، وأودعْه دارَ رعايةٍ تثقُ فيها .
وإذ فجأةً .. قدمُ بائعٍ غليظُ القسماتِ والصوتِ ، تهوي في بطنِ الصغيرِ ؛ فيفزعَ منتفضاً يجري بعيداً يلاحقُه سبابُ البائعِ بصوتِه المشروخِ :
- إياك أشوفك هنا تاني .
أتألمُ ، وقد استشاط جسدي غضباً ، جراءَ تصرفاتِ البائعِ الفجةِ تجاه الطفلِ المشردِ . تبكي السماءُ لحالِ الطفلِ المسكينِ ، توقظُني من تلك الحالِ وصولُ حافلةِ العملِ ، فجلست إلى جوارِ النافذةِ ؛ أتبعُه من خلف الزجاجِ ، لأجدَه يجلسُ القرفصاء إلى كومةِ القمامةِ ؛ ينبشُ فيها عن بقايا بضاعةٍ تالفةٍ يرميها الباعةُ على الأرضِ ، تنطلقُ بي الحافلةُ ، يملأ قلبي السخطُ .
قبيلَ العصرِ ، وقد نزلت من حافلةِ العملِ ، تنشرُ الشمسُ أشعتَها على الأرضِ الموحلةِ ، أعبرُ الطريقَ متمهلاً ، تطوفُ عيناي المكانَ بحثاً عن المقهورِ ، فتعثرُ عليه يجلسُ على الرصيفِ الموحلِ ، يمدُ كفَه ؛ يسألُ المارةَ ، منهم من يلتفتُ له فيعطيه ، وكثيرٌ يمرون فلا يلمحونه ، أقررُ التوجهَ إليه ، فإذا بالسحبِ الداكنةِ تملأ السماءَ ؛ تنهالُ أمطارٌ غزيرةٌ ، أهرولُ تحتَ وطأةِ المطرِ، بينما يصدحُ صوتُ المؤذنِ :
- الله أكبر . الله أكبر …
الأحد 21/11/2021
المقهور : بقلم / سمير لوبه
مصر