رسالة
تجلس على كرسيها الهزاز تحمل كتابا كما تحمل الأم رضيعها تعانقه ثم تقبله ثم تمسح على غلافه
لا هي تقرأ ولا هي تتصفح أوراقه
لم تفطن بعد لقهوة بردت ولا لتلك الوردة التي ذبلت
مزهرية بلورية قديمة على طاولة خشبية مستديرة في ركن قريب من نافذة صغيرة تطل على مساحة خضراء حيث توجد أرجوحة معلقة بعنق شجرة الزيتون
لم تبرح مكانها الا لقضاء حاجة أكيدة ولم تقترب من النافذة وكأن كل شيء من حولها إضمحل ولم يبق سوى تلك المزهرية والكرسي الهزاز وفنجان القهوة وذلك الكتاب
…يهتز بها الكرسي بهدوء. يتألم لألمها فيحاول التخفيف عنها مطواع لكل حركاتها دون تذمر ولا شكوى
تأخذ فنجان القهوة ترتشف ثم تضعه على الطاولة وتأخذ الكتاب لتحضنه بلوعة مشتاق لم تبك منذ اعوام ولم تنطق بكلمة ، مع من سوف تثرثر والبيت أضحى مقبرة جميعهم رحلوا ولم يبقى سواها تتأمل
صامتة واهنة تراودها فكرة الإنتحار ..جبان هو الإنهيار قاسية هي الوحدة …وهم هو الحب
تغمض عينها تناشد النعاس يراودها نفس الحلم تستفيق مجبرة تعانق كتابها تتنهد تجول بنظرها أرجاء المكان تحدق بصورة حائطية تبتسم ثم تسترخي وتستعيد الذكريات.
طفلة تجري خلف فراشات ملطخة الثياب حافية القدمين وسط سنابل القمح يسبقها كلب صغير طفلة ضاحكة حالمة تلك كانت الصورة المعلقة وقد كسر إطارها منذ عشرين عاما صورة لم تعد تشبهها
تغيرت ملامحها….. أحست بالتعب ..أصفر وجهها تعرق جسدها إرتعشت يداها ..ألم حاد في الصدر ..أخذت نفسا عميقا تحاول عبثا أن تستعيد قواها أرادت أن تبرح كرسيها وتتجه نحو النافذة لتستنشق بعض من ذكريات الأمس البعيد وتودع اليوم الآخير هكذا أحست ولكنها عجزت حتى أن تأخذ رشفة أخيرة من فنجانها مازالت تعانق كتابها تحاول أن تتصفحه تبحث عن رسالة عمرها عشرة سنوات رسالة لم تفتحها رغم أنها أكثر من ألف مرة حاولت شيء بداخلها يمنعها وهو نفسه اليوم يدفعها لقراءتها.
ترتعش الرسالة وكأنها في مهب رقصة مجنونة كادت تسقط من يديها
“”حبيبتي عندما تصلك هذه الرسالة أكون قد فارقت الحياة أحبك وأحببتك وسأحبك هناك …لالا لا... شششششششششش....لا. لا. لا. لا
..لاتبكي …فقط تذكري إنني لم أخن عهدي بل العهد من خانني وقدري سبقني والموت حق ياقرة عيني
فلا تحزني حبيبتي ….أحبك …..
دمعة واحدة نزلت وإجتازت كل سنوات الإنتظار تدحرجت نحو خدها بللت شفتيها ثم إنحدرت اسفل عنقها في إتجاه صدرها إبتسمت ساخرة ثم مزقت الرسالة
وضعت الكتاب جانبا أخذت فنجان القهوة ترشفت منه رشفة طويلة سقط ..تكسر …حزنا لوجعها لم يتحمل رعشة يديها وضعت رأسها على صدر كرسيها تناشده الإحتواء وفي حضرة هدوء المكان بإبتسامة طفل بريء
إستسلمت للنعاس …بل لنوم عميق خال من الكوابيس وعذاب الإنتظار
الجمعة 12/11/2021
رسالة : بقلم / هالة بن عامر
تونس