الخميس، 21 أكتوبر 2021

درس خصوصي : بقلم / سمير لوبه

قصة قصيرة   
درس خصوصي  

يشقُ سكونَ الليلِ رنينُ هاتفي ، مكالمةٌ من مجهولٍ ، صوتٌ خفيضٌ متأنٍ به فحيحٌ ، يبعثُ على الرهبةِ والدهشةِ .
- ألو..  منْ مَعي ؟
- أستاذ خالد ؟ 
- نعمْ . منْ مَعي ؟
- أرغبُ أن تشرفَني في منزلِي ؛ لتعطيَ ابنتي درساً .
- أين تسكنون ؟ 
- الإبراهيمية ،  الشارعُ السدُ بجوارِ سورِ
 نادي " اسبورتنج " المنزلُ رقم واحد ،  الدورُ الأول 
- غداً بعدَ العصرِ يناسبُكم ؟ 
- عُذرَاً .. أرجو أن يكونَ مَوعِدنا التاسعةَ مساءً 
- ولكنه وقتٌ متأخرٌ لا سيما أننا في الشتاءِ
- هذا الوقتُ مناسبٌ لنا  ،  أرجو أن تقبلَه ، فابنتي في حاجةٍ إلى درسٍ للتقويةِ ، ولك ما تريدُ
- وهو كذلك ..  التاسعةُ مساء الغدِ  مَوعِدنا . 
- مع السلامة 
وبختُ نفسي كيف أقبلُ بهذا الموعدِ المتأخرِ،  وأجواءُ الشتاءِ صعبةٌ ،  لو كنْت رفضت فلربما كان ذلك أفضلَ ، ستكون عودتي لمنزلي في ساعةٍ متأخرةٍ من الليلِ ،  وفي مثل تلك الأجواءِ يصعبُ السيرُ في الشوارعِ  ليلاً . 
وفي اليومِ التالي ،  اشتدت النوةُ ، وانهمرت الأمطارُ سيولاً وعليَّ أن أذهب حَسْبَ الاتفاقِ ، ربما لو اتصلت واعتذرت لكان أفضلَ لي .. أحاولُ الاتصالَ تليفونياً ،  ولكن الهاتفَ غيرُ متاحٍ ، تحدثُني نفسي أنه العملُ والرزقُ ، وقد وجب عليَّ التحركُ ،  وما إن وصلت للشارعِ السدِ ، فإذا به مظلمٌ تماماً ،  يبسطُ السكونُ المطبقُ يدَه على كلِ الأرجاءِ ، تسللتُ ببطءٍ ، أبحثُ عن المنزلِ ،  ها هو في أخرِ الشارعِ السدِ ،  مَدخَلَه واسعٌ مظلمٌ إلا من ضوءٍ خافتٍ ينبعثُ من حجرةٍ تحتَ سُلَّمِ البيتِ الخشبي ،  فالبيتُ فيما يبدو من البيوتِ العتيقةِ ، أتحسسُ بقدمي أرضيةَ المدخلِ ؛ لأبلغَ السُلَّمَ ، يشقُ السكونُ طقطقةَ خشبِ السُلَّمِ المهترئ ، أتمسَّكُ بعوارضِ السُلَّمِ ، وأصعدُ مُتعمِداً إحداثَ جلبةٍ بأقدامِي ؛ ليشعرَ منْ في الحجرةِ القابعةِ تحتَ السُلَّمِ بقدومِي ، ولكن الصمتَ سيدُ الموقفِ ،  تسري في بدني قشعريرةٌ ،  أشعرُ بأنفاسٍ حارةٍ خلفي ، أحسُ وكأنني لامست شيئاً ما ،  ارتعدتُ وارتفع عندي " الأدرنالين " ، تتلجلجُ قدماي على الدَرَجِ ، أصلُ لبابِ الشقةِ ، أنفاسُ أحدٍ ما خلفي ، أطرقُ البابَ بيدٍ مرتعشةٍ ، تتلاحقُ أنفاسي محاولاً السيطرةَ على ارتعادِ فرائصي ، تُفتـحُ شُرَّاعةُ البابِ  ببطءٍ محدثةً نشيجاً يبددُ الصمتَ المطبقَ ،  فإذا بها امرأةٌ ممسكةٌ بشمعدانٍ تعكسُ شمعاتُه ضوءاً على قسماتِ وجهِها فتبدو مريعةً  ، تحاولُ بيدِها الأخرى لملمةَ شعرِها المُهوَشَ الذي يخالطُه بعضُ الشيبِ ، وكأنها نهضت من النومِ لتوِها ،  تتفحصُني بعينيها الزائغتين أبادرُها بصوتٍ مرتعشٍ متقطعٍ محاولاً لملمةَ شتاتي 
- أنا .. أنا ..  الأستاذ .. خالد 
بابتسامةٍ باهتةٍ
- تفضلْ  
ينفرجُ البابُ مُحدِثاً نَشيجاً جَراءَ الصَدَأِ ، وكأنه لمْ  ُيفتَح منذ وقتٍ بعيدٍ 
- عُذراً لانقطاعِ التيارِ .. تفضلْ ستكون ابنتي جاهزةً حالاً 
- تفضلي 
تدلفُ المرأةُ إلى ممشى معتمٍ يسارَ الصالةِ التي تعجُ بأثاثٍ عتيقٍ ، أسمعُ بابَ حجرةٍ يُفتَح ، ويدورُ حديثٌ لا أستطيعُ تمييزَ كلماتِه ، يتخللُه نحيبٌ مكتومٌ ،  أشعرُ بحرجٍ شديدٍ ؛ فلربما الفتاةُ لا ترغبُ في وجودي ، فأتلهى بالنظرِ في المكانِ على ضوءِ شمعةٍ هزيلٍ ، فإذا بها أمامي ممسكةً بالشمعدانِ ، يبدو على عينيها آثارُ بكاءٍ ، تدعوني لأتبعها ، مكتفيةً بالإشارةِ بيديها نحوَ الممشى المظلمِ ،  لا تنطقُ ببنتِ شفه ، ينتابني قلقٌ ممزوجٌ بالحَرَجِ ، أتبعُها مسلوبَ الإرادةِ ، تسبقُني عيناي لبابِ حجرةٍ معتمةٍ ، تدخلُ أمامي ينتشرُ ضوءُ الشمعدانِ يضيئُها ، لأجدَها قابعةً على كرسي منزوٍ في ركنِ الحجرةِ ، فتاةٌ مهندمةٌ هادئةٌ في جِلستِها ، ترمقُني على استحياءٍ ، تضعُ المرأةُ الشمعدانَ على المنضدةِ إلى جوارِ الفتاةِ  ، فتبدو لي ملامحُ وجهِها الهادئةُ وحُسنُ هِندامِها ،  تبادرُني المرأةُ بصوتٍ هادئٍ
- فلتبدأْ يا أستاذ خالد 
- تفضلي 
تغادرُ الحجرةَ ،  والفتاةُ تكتفي بالنظرِ إليَّ بعينين متحجرتين لا تحيدُ عني ، فأكسرُ اضطرابي بالدخولِ في موضوعِ الدرسِ مباشرةً ، ولمْ أفزْ من الفتاةِ بكلمةٍ واحدةٍ حتى ظننتها بكماءً فأقررُ بيني وبين نفسي ألا أعودُ مرةً أخرى لهذا الدرسِ ؛ فلا الفتاةَ تشجعُ ، ولا المكانَ يريحُ ، حتى الموعدِ غيرُ مناسبٍ ،   سأعتذرُ للسيدةِ أكيدٌ ، ومرَّ الوقتُ متباطئاً يسودُه الصمتُ إلا من صوتي وأنا أشرحُ لفتاةٍ كتمثالِ الشمعِ ، يخالطُ صوتُ الأمطارِ صوتي مما يزيدُ من ندمي أن قبلت ذلك الموعدَ المتأخرَ ، أتعجلُ الوقتَ أن يمرَّ كي أخرجَ من هذا المكانِ المقبضِ ، وما إن انتهيت حتى هممت مسرعاً للخروجِ عبرَ الممشى المظلمِ إلى الصالةِ لأجدَها في وجهي ، وكأن الفراغَ انشق عنها بشعرِها المُهوَشِ ، وعينيها الجاحظتين تحملقان في وجهي ، وكأنها تراني لأولِ مرةٍ ، يكاد حالُ لسانِها أن تسألني من أنت . 
- لقد انتهيت يا سيدتي 
- نفسُ الموعدِ الأسبوعُ المقبلُ ؟ !
- لا أظنُ .. عُذراً فالموعدُ لا يناسبُني 
يبدو على وجهِها الوجومُ والحزنُ ، مما يشعرُني بالحَرَجِ ، ولكني عزمت فعلاً على عدمِ الحضورِ مرةً أخرى ، وتوجهتُ للبابِ ؛ حتى لا أفسحُ مجالاً للكلامِ معها ، تناولُني ثمنَ الحصةِ ، أخرجُ أتلمسُ لقدمي موضِعَها على دَرَجِ السُلَّمِ المظلمِ ، لا يفارقُني وجهُها المريعُ ، وفجأةً تنشقُ الأرضُ عن رجلٍ ضخمٍ ينظرُ إليَّ بدهشةٍ ، يعلو قسماتُ وجهِه الارتيابُ وكأنني لصٌ أمامَه ، فيبادرُني بصوتٍ خشنٍ
- نعمْ يا حضرت  .. من أين تنزلُ ؟!! 
- مِن تلك الشقةِ في الدورِ الأولِ
- مِنْ عِندَ السيدةِ " إيڤون " ؟ !! 
- أنا مدرسُ ابنتِها 
- غيرُ معقولٍ ..  إن السيدةَ "  إيڤون " مريضةٌ نفسيةٌ منذ ماتت ابنتُها محروقةً في الحمامِ ، ولا تفتحُ بابَها لغريبٍ أبداً مهما حدث ..

الخميس 21/10/2021
درس خصوصي : بقلم / سمير لوبه 
الإسكندرية / مصر 

ونذرت صوما : بقلم / فاتن جبور

ونذرت صوما بعت ذاكرة قلبي .. واشتريت تذكرة عبور.. العبور خارج الذاكرة  ولادة قيصرية..  والآلام.. تذكرة باهضة لكنها  حد فاصل بين الضوضاء والص...