العَطاء
في خِضَمِّ التَّناذُرات التي لا تملِك أدنى عنوان والمَسَائِل العالِقة في رسائِلٍ مُنتظَرةٍ وأُخرى مَفتوحة على مِصراعیها وتلك التي تستنْكِر وجودھا ما بین الأحرف وبین المعاني والكلمات ، وبین المَسافات ، تِلك التي تُدرَك بِمَلمَس الأصابِع ؛ تنبلِج وصيَّة العَطاء العَهيدة .
المسألة في كلِّ شيءٍ أنْ تُحافِظ على القلب صافیاً ، تُحِبّ الّله وأُمُّك ، وتبقى مُخلِصاً لِأُنثى واحدة للأبد ، احترم القوانین ، دافع عن المعوقین واحتقِر المال فالأبطال لاینتظرون تعویضاً ..
ھي لم تَفْھَم ما یعني الانضِواء ضِمن العَطاء ، ھي ظنَّت أنَّه شيءٌ مِن ذِروة مَرحلة صید السَّاحِرات التي عَصَفت بالأفكار الدِّینیَّة ، لابُدَّ أنَّها فَكَّرت أنَّه شيءٌ مُعدٍ وسيّء السُّمعة كالأمراض البیئیَّة ، وھي ترى أنَّ سیاسة العَطاء لیست مُلزِمة ، وإنَّ المُحتشَمين والمُتدیِّنين ھم مَن یحتاجون لها .. لقد اتَّهَمَت المُتَدیِّنين والمُتظاھِرين بالتَّدیُّن بِأنَّهم یَختبِؤون وراء الله شخصیاً ، وإنَّهم أعداءٌ طبیعیُّون لِلنَّاس أجمعین ، وهي تعتقد أنَّ الكلام مع واحدٍ مِنهم یُشكِّل خیانة تلقائیَّة ، وإنَّ كُلَّ ما یُقال بِحضرتِھم سیُرسل إلى الّله مُباشَرة لِأغراضٍ تنسیقیَّة إلاھیَّة .. !! وتعتقد أيضاً أنَّهم يعتبروننا أناساً سیِّين ومصیرنا جُھنَّم والتَّجمُّد في الجَّحیم ..!!!
صَمَتُّ أنا وفكَّرتُ أنَّ صَدرھا كبیرٌ وكُلَّما كَبُرت الأثْداء صَغُر الدِّماغ ، فھذا ھو قانون الطَّبیعة ..!! وابتسَمتُ في جوفي ابتسامة خبيثةبعد أنْ سبَرتُ إدراكي لِبُرھةٍ وقُلتُ لِنَبْق على كثیرٍ من الجَّوھر وقلیلٍ مِن السَّفْسَطَة ، فإنَّ تحقیق الثَّروة ھي فِكرةٌ أكثَر إغواءً من تقاسم الفَقْر بالتَّساوي .
لقد ضاعت الاخلاق ونحن الآن نعیش في عالم القیم البائِسة فالملذَّات دون سعادة والعمل دون معنى ، والإنسان ھو الحیوان الوحید الذي یهتدي بالاخلاق وكلّ شيء مسموح إلاَّ عدم التَّسامُح .
ناسٌ ... الكونُ ناسٌ .. والمسألة مسألة حیاة أو موت فإمَّا أنْ تُعطي أو تُؤْخذ ، ونحن الطیِّبون وھُم الاشرار ولولا ذلك الیقین لَكُنَّا ھَلِكنا ، ومِن وجهة نظري أرى أنَّ العطاء ھو التَّجرِبة الانسانیَّة المُثلى ؛ لأنَّنا لَيس بَشَرٌ في ھذا المسرح المأساوي .
الحقُّ أنّي أشعُر بِالرَّاحة حین أُعطي ؛ لأنَّني أبقى مرتاح الضَّمیر على الأقلِّ وإنّي أقبل العطاء ولا أُحاوِل تفسیره ، وأدعوه بقانون لِأُقنِع ذاتي بواقعي ، أتمسَّكُ بِسلاحي وأطلق النَْار ، ویجب ألاَّ أتشوَّش ولا أتردَّد ، ھذا ھو قانون العَطاء الذي لایُمكن أنْ یُخطِئ والذي اخترعتُه أنا .
بعد كلِّ كِتابة مَقالٍ كهذا تختلِج عضلاتي ولا أقوى على التَّحكُّم بیدي ، أسناني مَشدودةٌ ووجهي مَمطوطٌ كجوكر أوراق الَّلعب ، وأشبه ما یكون بِضحكةٍ مَجنونةٍ ھیستیریَّةٍ ومُعظمَنا یبدو ھكذا كما أظنُّ .
أنا اعتدتُ أنْ أبقى مُبلَّل العِظام ، وعلى قدميِّ أنْ یبقیا لحماً حیَّاً داخِل الحِذاء ، واصابعي مُلتصِقة بِالقلم تحت وطأة ذلك الاحساس الدَّائِم وھو أنَّني مُحاصرٌ بِالأشباح ، وأنتظِر الرَّحمة التي ستأتي في أیَّة لحظةٍ مِن جانب الاله ، وأعدُّ الخطوات المُتبقِّیة للوصول إلى شجرة الفَهمِ ، والدقائِق لبلوغ ذاك البِناء الذي أدعوه الانسانیَّة لإسقاط ذاتي على وھم البشریَّة بلا أسفٍ .
الإثنين 13/9/2021
العطاء : بقلم / إحسان الخوري