جيد على أكتافها
الجزء الأول
جيد على أكتافها، موسومة بالوشم
كأنّه الياقوت والمرجان، مزجا أِدَمِ
لمّا أطلّت، بقوامها، على أعتاب بيتها
تهمس ببنت شفتيها، همسا، بلا كَلِمِ
قالوا: "والأذن تعشق قبل العين أحيانا" (١)
يا ويح نفسي من عشق ومن سَدَمِ (٢)
يا لائمي في هواها، هلّا سألتموني،
إنس، أم جانّ؟ هل مِنّا من في لَمَمِ؟ (٣)
كيف أُلام في هواها وأنا الذي لم
أدرك من محاسنها إلاّ همسا، فلا تَلُم؟
لمّا دنت منّي، حدّثتني نفسي قائلة:
أنّا يكون بيننا ملك، والأذن في صَمَمِ؟
يا ويح عيني مما رأت، ويا جرمي
الذي اقترفت، مسترقة نظرة في يُتُمِ
حطّت عيني على شفاه حمر، عنب
شّام، طبّ للعينين ودواء لكلّ ذي سِقَمِ
أنصبّ عرقا من جبيني، شاح ريقي،
ظلّ جسمي واقفا لا حراك له، كالصَّنَم
عينان مصقولتان، صقل زمرّد أصفهان،
زانا الوجه، وازداد فتنة على نِقَمِ
يعلو كلّ منهما حاجب، قوس سليمان
يقنص خلق الله، وإن كانوا من النِّعَمِ
غار ريم البوادي منها، فتولّى باكيا
واستجار البدر بها، فبات في كَدَمِ (٤)
واعتلى الليل شعرها مستترا وراءها
من كلّ عيب، أو حسد، أو من إِضَمِ (٥)
إحتجب النّجم خجلا من سنى وجهها
يستضاء بقدومها من كان في عَدَمِ
وجنة على الخد، حرير صين، بيضاء
البشرة بحمرة، سقتهما بسفك دَمِ
عود خيزران قوامها، لا طول ولا قصر
بان من شفاف عباءتها والقلب في وَأَمِ (٦)
تمشي الهوينا، على استحياء، لا مائلة
تخطف الأرواح من الأجساد في حَرَمِ
خلخال على أكعب ممرّدة، من قوارير
بلقيس كشفت عن ساقيها في حَشَمِ
تضرب الأرض دقّا في مشيتها، كفرس
تهتزّ طربا على نغمات مزمار بها لُجَمِ
هزّت بأهدابها، مشيرة إلى ضحاياها،
قلت لها: قتيلك أنا! والنّفس في صِدَمِ
إنّي سقيم يشكو علّة ودواءه عندك
وصل المحبّ للمحبّين، فجودي بالكَرَمِ
إنّي أبات ليلي في سهد وحيرة، أدعو
الله أن يرزقني رؤيتك لأرتاح وكي أنَمِ
أو أن أسقى من إكسير شفتيك خمرة
حتّى الثّمالة، فأفنى فلا أصحو ولا أَقُمِ
إنّي كما ترين، متيّم في هواك، والجسم
بات من علاّته لا شيء، جلد على عَظَمِ
ما لي أنا، في العشق، من صبر أو طاقة
لي قلب يبات بين منسجم ومُضْطَرِمِ (٧)
أنتظر رواءا من شفتيك، ومن قطرات
ريق ثغرك، يحي عظامي وهي في رِمَمِ (٨)
إسقني من هذا النّعيم ثمّ زيديني منه
حلو المذاق، مثمر، مغدق، أرشفه في نَهَمِ
قالت، ونفسي لا تزال ثكلى بها: غزى
الشّيب منك اللّحية، بلا رأفة ولا نَدَمِ
عيب عليك أن تغازلني وانت شيخ،
أعدّك أهل الشّهامة، والمروءة والقِيَمِ
أنت الكريم، أنت الجواد الأصيل، أنت
من بالشّعر يعدّ من فطاحله، ذو شِيَمِ
أبيات من الدرر، زيّنتك، وزانت لسانك
فيها جمال، ورسم، وكثير من الحِكَمِ
قلت: مه! على رسلك! لا تطيلي إطنابي،
قد وقع كلامك منّي وقع سيف صَرِم (٩)
أشهدتك بالله، لا تزيدي في عذابي
إنّي كما ترين، أشعر كأسلافي من نِظَمِي
لست أحسنهم، ولا أسوأهم، هم قدوتي
منهم الفطاحلة، لا أعلو عليهم ولا أَسُمِ
هل يلام الصبّ في هواك، أيا فاتنة؟
إن دلّ شيبي على كبري، فجمالك لا يَدُمِ
كم من شيخ مات من العشق، وكم صبيّ
ظلّ في حيرة من أمره أو في وَهَمِ
إن كان ذنبي أنّي بحت بما يلج بصدري،
أمّا ذنبك يعدّ من الكبائر ومن العِظَمِ
أنزلت بفؤادي سهم المنون دون رحمة
أفقدتني صوابي، والقلب بات في أَلَمِ
كنت على شفى حفرة من النّار فقذفتني
غير عابئة بي وقد أحنثت في قَسَمٍي
أجري وراء سراب أعياني وما أدركته
ضمآن تراءى لي ماء من دون لَسَمِ (١٠)
استفقت أخيرا من غيّي، ورجع لي
رشدي، واستأصلت ما كان بي من وَرَم
حبّ الدّنيا وشهواتها، فضلا عن
الآخرة، لا فراق، لا عتاب، ولا مأتثم
ربّاه إنّي تبت إليك بعد ما حلّ بي
هل من توبة تغفر ما جرى على فَمِي؟
(يتبع... إن شاء الله إلى الجزء الثاني)
ا---------------ا
(١) بيت من قصيدة لبشار بن برد
(٢) سَدِمَ فلانٌ: أَصَابه هَمٌّ أَو غيظ مع حزن
(٣) لمم: اللَّمَمُ :الجنونُ، أَو طَرَفٌ منه يُلِمُّ بالإِنسان ويَعتريه
(٤) كدم: كدَم في غير مَكْدَم - (مثل): طلب حاجة لا تنال
(٥) إضم: أَضِمَ عليه : أَضمر حِقدَه
(٦) وأم :وأَم صديقَه :وافَقه واتَّبع أثره
(٧) مضطرم: مُضْطَرِمُ العَوَاطِفِ: مُشْتَعِلُهَا
(٨) رِمم: جمع رمّة، الرِّمَّةُ: عظام بالية، وتُطلق توسُّعًا على ما تعفَّن من جسد الميِّت، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بالرِّمَّة لأنها ربما كانت من مَيْتة
(٩)صرم السّيف: كان قاطعًا ماضيًا ''سيفٌ صارِمٌ''
(١٠) لسم: ذاق
الأربعاء 14/7/2021
جيد على الورق : بقلم / كريم الدين مصباح
٢ ذو الحجة ١٤٤٢
الموافق ل ١٣ جويلية ٢٠٢١