الأحد، 27 يونيو 2021

همس الوطن : بقلم / الأديبة زهراء كشان

همس الوطن  

حدّثتني  هديل تلك المرأة   العربية  القادمة مع الضّباب الرّمادي الكثيف  المنتّشر فوق قمم الجبال  العالية ،قالت: التقيت به روحا دافئة تتألق في جوانح الحياة، تسامينا معا بحب الله و ذبنا في بوتقة الزمان بين ضفائر القدر ننسج حلما مشتركا . 
نظرنا  حولنا، كان النحل القادم من الآفاق البعيدة يحضر من الرحيق شهدا و تمايلت عرا جين التمر المتدلية من خلال سعف النخل في الفيافي الشاسعة  و غردت العنادل  في حبور،  قذفتنا الأمواج الوردية الحالمة  إلى الأحواض  المبللة بقطر الندىفي الحدائق النضرة لنستمتع بسيمفونية ساحرة ،  ابتسمت إلى جانبي أميرة أحلامي كانت لطيفة كنسيم الربيع  يانعة كأوراق الياسمين ، و  راق لنا البقاء في وطن عسجدي محصن بأسوار من فلاذ....شمسنا مشرقة و أحلامنا متدفقة و أرضنا مغدقة ....
 فجأة هبت رياح عاتية قادمة من كل الاتجاهات   قصف ، موت ، دمار... بكت أميرة أحلامي ،صرخت       و توارت ،بحثت عنها  في كل حدب و صوب فلم أجدها  ، علمت أن الروح الدافئة أيضا توارت إلى الأبد  وأنني أسير وحدي على أنقاض بائسة ، لم يعد لي سقف يحميني  من قسوة برد الشتاء و لا مظلة تحجب عني أشعة الشمس البنفسجية،  تجلدت و ارتديت رداء الصبر،و دون أن أدري  احتضنت بقايا أحلامي ،مزقت شرانق الخوف و التردد وولجت ربوع  التّحدي ،  انحدرت مع  الحمام إلى ضفاف  الغدير ارتشف ماء لازورديا،  حلقت في فضاء  قريب من أحلام الأرض ،  هويت على الثرى المعطر بأرواح الأبرياء ،و مشيت بخطى متثاقلة أجر خيبتي و اكتئابي ،   في  أفق  الزمن الهارب تذكرت فلذة كبدي عز علي أن أمضي بدونها أسرعت الخطى إلى الوراء ، امتدت يداي داخل  حدود مرسومة بقلم رصاص اختطفتها من بين أنياب الغدر ، حملتها   بين ذراعي احتضنتها بحب ،  في اللحظات المتقاربة المغمورة بالارتياع  رحلت متباعدة أضم طفلتي إلى صدري.  
في جوف العاصفة انطلقنا   ننشد أغنية فراق الأوطان ، متعبة أمشي و طفلتي التي  أثقلني حملها، أرغمتها على السير حافية ، أسبقها  طورا و أطوارا تسبقني ، تلامس أناملنا أوراق البنفسج تارةفنبتهج و ترتطم أقدامنا بجثث و أشلاء تارة أخرى فنرتعب ، و قد تلبد كبد السماء بغيوم حزينة  تذرف دموعا كلما طاب لها أن تشاركنا الأسى ، و كان حفيف الشجر أقوى من وقع أقدامنا الحافية على الأوراق اليابسة                و الحصى المبللة بقطر المطر مشينا إلى وجهة مجهولة و قد أنهك السير جسدينا الضعيفين، كان القدر يرمقنا ضاحكا يؤنسنا أو يهزأ منا لست أدري!  انجلى ليل و انبلج صباح آخر و لم نصل... إلى أين؟ لست أدري! الكآبة ترافقنا و الغربان تلاحقنا ،و في لحظة توقفنا .. بعد مأساة وآهات و عبراتوجدنا أنفسنا على الضفة الأخرى، و على الأرصفة  المتأججة بالشوق و الحنين أردنا العودة إلى الوطن الحبيب.....لكننا   أخطأنا الطريق ، و ما أصعب أن يضيع منك الطريق إلى الوطن ،و مازلنا على الضفة الأخرى و في جزيرة وردية  زارها الربيع  باكرا  وتصافح معها الإشراقفي قلب الشتاء،هواؤها أريج منعش،ابتسمت الوجوه فيها ، بمحاذاة نهر الأمان أحسست بدفء نسبي و أنا أحضن صغيرتي .
 بنينا مأوى لنا كما تبني الطيور وكناتها  بجدران من القش و الأوراق و الأغصان ، افترشنا بساطا أخضر على ضفة نهر باسم  ينساب منه  ماء زلال و التحفنا نور الكون عسى أن نستريح قليلا ،استلقينا متكئين أنا و ابنتي كل منا على وسادة خيالية تجسدها أحلام زائفة و آمال  باهتة ،في تلك الأثناء تساقط رذاذ ، نظرنا إلى بعضنا نظرات الأسى و ابتسمنا معا حتما عثرنا على فكرة مشتركة تخيلنا معا صفيحة ذهبية سقفا يقينا قطرات المطر، استسلمنا لنوم مريح  في مسكن وهمي هادئ قرب صخرة جاثية بكبرياء على ضفاف  النهر المغناج .بمجرد أن أطبقت جفوني  رأيتالروح الدافئة ترفرف  بقربي تلامس أنفاسها النقية  جسدي المثلج بين أكف الشتاءامتدت يدي إليها  ووددت الإمساك بها،  لكنها  اختفت من جديد ، كما اختفت كل الأشياء العذبة في حياتي ..واستفقت  مرتاعة أسمع  أنين بلادي ....
تنهدت  هديل و قالت: ليتني بقيت بين أحضان وطني الجميل....
هدأت من روعها ،و أدخلتها  بساتين وطني  ، فتحت لها أبواب بيتي الواسع  وأسكنتها في غرفة قرمزية ،  فتحت  لها صوان ملابسي ،رجوتها أن تحتفظ  بفساتيني الملونة بألوان قوس قزح  و ابتعت لصغيرتها ألعابا  و قصصا للأطفال .....آنستها و آنستني .
 في  إحدى الليالي استفاقت هديل مرعوبة و هي تردد  بدمعة و ابتسامة : إنني قادمة  .إنني قادمة  ،سألتها ما الحدث ؟ فأجابت: سمعت همس الوطن   ،إنه يهمس  في أذني :
 ( لملمي أغراضك و أسرعي الخطى نحو جسر الوفاء ، لا تتردي ، عودي إلي إنني انتظرك) ، 
منحتــها  أثوابي المطرزة بالسندس ومجوهراتي  الثمينة  ،أثنت علي كثيرا وهي تقبلني قبلات الوداع ،قالت و العبرات تتلألأ على وجنتيها المتوردتين : عذرا  وطنك ساحر  أخضر لكنه لا يشبه وطني ، وطني شذرة غالية ، فيه أشعر بدفء سرمدي يتسرب إلى أعماقي ، و همسه يعيد إلي نبض الحياة ، نسائم وطني تسعدني حين تداعبني ،وأجواؤه الندية  تفجر فيّ روحي الأمل ،و أوبتي إليه تسربلني ثوب الكرامة .

الأحد 27/6/2021
همس الوطن : بقلم / الأديبة زهراء كشان 


ونذرت صوما : بقلم / فاتن جبور

ونذرت صوما بعت ذاكرة قلبي .. واشتريت تذكرة عبور.. العبور خارج الذاكرة  ولادة قيصرية..  والآلام.. تذكرة باهضة لكنها  حد فاصل بين الضوضاء والص...